الأحد، 5 فبراير 2012

شِعرية قُفلة القصّة القصيرة جداً عند حسن البقالي

بسم الله
السلام عليكم


شِعرية قُفلة القصّة القصيرة جداً عند حسن البقالي

د مسلك ميمون

       من بين الكتابات القصصية المغربية ، تميّزت كتابة القاص حسن البقالي  بعّدة خصائص نستقيها من مجموعتيه السّابقتين:'' الرقص تحت المطر'' و'' مثل فيل يبدو عن بعد '' و تشكل ضربا من الشعرية الراقية التي ترتكز على جملة من المقومات الفنية التي يتشابك و يتضافر في نسجها : الإنزياح و الحذفو الإضمار بشكل سلس ، و التقديم و التأخير بنسق فني ، و يتماهى الإبلاغي في البلاغي يصورة متكاملة متجانسة، فضلا عن  التّفرد و الجمالية، و السّرد المحكم، و انسجام النّص و الخطاب من خلال علاقة المعنى بالتّراكيب، والحفاظ على الجهاز الحكائي، و تلافي الحشو المعجمي، والنّمطية ، و اللّغة المعيارية المباشرة . و اعتماد الخطاب الإيمائي، الذي أساسه الوجه الشّفري ، و السّنن اللّغوي، و الحذف و الإضمار، و نسقية التّكثيف الرّمزي و البلاغي و الإيحاء( فلاش باك) و الوحدة، و المفارقة، و الاتساق و الانسجام، و التّناص.. الذي يسمح بالنّظرية التّأويلية التّداولية المعرفية، و التي تعتبر التّخييل من مظاهر التّواصل.
     لذلك ، قراءة نص حسن البقالي  يستوجب وعياً ذاتياً/ موضوعياً بآليات الكتابة الحديثة، في فنّ القصّة القصيرة جداً. فبين المعنى في تتابعه و انقطاعه، و تداخله و انفصاله، و تشابكه و انفصامه، و توازيه و تقاطعه، وانفراده و تكراره، و وضوحه و غموضه .. و بين التّوتر الدّرامي، و الواقعية و الشّاعرية ، و الإشارة و الرّمزية ... و الرؤية و تنوعها، بين رؤيـة من خلف، و مع، و من الخارج . في نطاق  الراوي المحايد، أو الراوي ضمن نطاق الحكي .... في كلّ هذا و غيره ، يقوم التّشكّل التّخيلي، لخلق النّص القابل للتّحميل الدّلالي.
      كتابة حسن البقالي، و منذ نشر مجموعتيه السّابقتين في القصة القصيرة جداً، اتّخذت مساراً تشعبياً متنوعاً. يتجلى بوضوح للمتتبع لكتابة هذا القاص المتميّز، الذي يجمع  بين أصالة الذّات، و حرية التّعبير المسؤول، و تفعيل الوعي الذّاتي، و التّعبير المسبوك،الذي سمته الطلاقة، و المرونة، و التّخييلية.. و لم يتأت ذلك بسهولة لقاص أمضى سنوات في رحاب القصّة القصيرة، فخبرها، و سبر أغوارها.. حتّى إذا ما جاء القصّة القصيرة جداً ، جاء بخبرة في السّرد ناجعة ، و تجربة في الكتابة رائقة، ميزت إنتاجه بنسقية فنية، و متعة إبداعية، و ذاك ما تنم عنه نصوص مجموعاته القصصية، التي تشكل مضمومة اكتشاف، و آية تجديد و اختلاف.
و في سبيل الحديث عن شعرية الق ق ج عند حسن البقالي . أفضل أن أناقش شعرية القُفلة . هذا المكون الذي يعطي للنص القصصي القصير جدا حيوية و تفاعلا ، يخترق وجدان المتلقي و يهز ذرات فكره و يشده للتأمل و التساؤل.
و القفلة ، قفلات متعددة و مختلفة ، بل كل قصة تملي قفلتها الخاصة التي ، لا يفكر فيها من قبل، بل هي وليدة لحظة الإبداع.و لقد سبق أن أشرت في مقالة إلى بعض خصائص القفلة و مادام حديثنا عنها دون باقي الخصائص أقول : القفلة هي جملة الختم شكلا ، ولكنها مناط الّسرد ، فمنها انطلاق التّأويل ، و إليها يستند الـتّعليل ، و عليها يندرج التّحليل ...فهي ذات أهمية قصوى . حتى أنّ البعض لا يرى قصة قصيرة جداً بدون قفلة. و إن كان لي رأي مخالف. فالقفلة ـ على ما هي عليه من أهمية ـ فقد يحدث ألا يأتي بها القاصّ شريطة أن تكون القصـة على درجة عالية من التّكثيف، أوالرمز، أو الحذف و الإضمار .. فنسقية النّص و سياقه enonciation وتصويره البلاغي ....كلّ ذلك يجعل القفلــة استشنائية لأنّ ما سبقها ـ إن وجدت ـ غطى على دلالتها و تأثيــرها .و من خصائصها الملازمـــة التّالي :
1
ـ قفلة مفاجئة . غير متوقعة من قبل المتلقي . و لكن لها صلة بالموضوع .
2
ـ تحدث توثراً و انفعالا ، لنسقها الدّلالي و الّصدامي .
3
ـ تبعث على التّأمل و التّساؤل .
4
ـ تفتح آفاق التّأويل و التّحرّر من تخوم النّص .
5
ـ تأتي عفوية مع سياق الكتابة .
6
ـ لا تُصنّع ،و لا تعدّ ، سواء من قبل أو من بعـد ، ففي ذلك تكلّف .
7
ـ تضفي جمالية دلالية على النّص ، لما تكتنزه من معنى.
8
ـ تأتي على نسق بلاغيforme rhétorique يضفي مسحة فنية على النّص
9
ـ تتسم بطابعها الوظيفي fonctionnel .
10
ـ تتسم بالميزة الجوهرانية  essencialiste    .

هذه الخصائص المثلى تضفي على القفلة شعرية تكسب النص وهجه و تألقه الفني و هذا ما نلمسه في الق ق ج عند حسن البقالي و نستأنس بمجموعته الأخيرة ( مثل فيل يبدو عن بعد)
1) ـــ القفلة على أساس التشبيه :
 فأول نص تحت عنوان: ( قصة) تجسد القفلة عنوا ن المجموعة :( نقطة شبيهة بفيل يبدو عن بعد) قفلة بنيت على أساس التشبيه .فكل ممارس لهذا الفن الجميل ، لا يملك إلا أن يعجب ذهنيا بهذه القفلة البليغة التي لم تختم النص فقط،و لكن حددت معالم هوية و عمق دلالة الق قج.إنها فعلا نقطة صغيرة إذا قورنت بحجم القصة القصيرة أو القصة أو الرواية ، و لكنها قياسا لحجمه كبيرة ضخمة في كبر وضخامة الفيل. و كما أنّ الفيل عن بعد ليس إلا نقطة سوداء، فكذلك الق قج للذي يستسهلها لضآلتها و قلة جملها و كلماتها، فهي مجرد نقطة و لكن للذي يعيها و يسبر أغوارها فإنّها أكبر و أضخم مما  يُتصور لما تحدثه من رجّة وعي، و إضاءة فكر، و نظرة تأمل ،و رغبة تساؤل .. 
2 ) القفلة الشذرية أو المتشظية : و هي قفلة لا تأتي في جملة مركزة كما هو المعتاد ، بل تتشظى إلى جمل تشكل مركبات أو كويكبات تدور في فلك واحد و لكن تعمق الوعي بما تحمله من دلالات و معاني  كالذي نجده في نص ( كما يصنع لصوص الخراف) القاص في حيرة من أمره أي النصوص يقرؤها إذا في المهرجان القصصي تتسابق إليه العناوين  فلا يستطيع الحسم في اختياره ، و لكن في الأخير يقرر : (أدعو إلى رفقتي الجديرات فقط :) ص 12 و تأتي القفلة الشذرية المتشظية:( أولئك الملتحفات بالأرق ، يحرسن أحلام الأخريات ، و يجدفن بعيداً في الملكوت ) ص12 إذأً ميزة الاختيار تحددت في الإضمار، و الحلم ( التخييل ) و العمق. و لعمري تلك مناط الشعرية في القصة. و يتكرر هذا النوع من القفلة في قصة لقاء ص 20

3) القفلة الرمزية ، و هي الأحسن و الأجود في كل أنواع القفلة ، لأنها لا تعلن نهاية النص بل تشكل بدايته الجديدة في البحث عن خباياه و كشف أسراره و مزياه. الرمز كان و سيبقى السباحة في العمق و التماس درر الأعماق، إيمانا من المبدع بعجز العقل عن فهم و إدراك القضايا النفسية،و الوصول إلى حقائقها الشائكة المتداخلة المعقدة. و من تمّ كان هذا الاهتمام الفني  بالقفلة الرمزية ففي المجموعة نجد نص: (تنبيه) و هو نص قصير في ست جمل فعلية و لكن جملته السادسة هي عبارة عن قفلة رمزية ( حصن نفسك ضد سم الفئران ) و لا علاقة اللقفلة بالفئران الحقيقية ،و لا بالسم الحقيقي . و المراد بالسم هنا ما يمكن أن تفعله فأرة الحاسوب من حذف ، و نقل إلى سلة المهملات و تتكرر القفلة الرمزية في نص ( كما قالت شهرزاد ). أخذ الإبرة من مربضها.و القفلة الرمزية  هي ( و بتركيز شديد جعل يخط بها على المؤق تفاصيل الحكاية ) رمز للمعاناة و الألم التي تمازج الحكي  الحزين .
4) قفلة المحاكاة :و هي نادرة ، و لكنها موجودة لطالما يعجب القاص بقولة ما فيأتي بها أو ما يحاكيها في الدلالة. و ندرتها تعود لرغبة القاص حسن البقالي بخاصة و معظم القصاصين الأخرين في تتبع مسار الحداثة دون تقليدها . لأن تقليد الحداثة هو السقوط في التقليد. و كلما أصبحت الحداثة تقليدا . إلا و ابتعدت عن روح التجديد و الابتكار.
و قفلة المحاكاة نجدها في قصة ( كوجيتو) و لكن بصورة عكسية فإذا كان ديكارت قد قال قديما : ( أنا أفكر إذن أنا موجود ) فربط الوجود بالتفكير . فإن قصة كوجيتو تأتي بقفلة كالتالي : ( أنا أتخيل إذن أنا غير موجود)  
5) القفلة المفاجئة : تكاد تكون المفاجأة سمة عامة . بحكم أن القفلة شيء غير متوقع و لا وارد في ذهن القارئ . على عكس ما هو في القصة القصيرة مثلا ، فنحن نقرأ القصة و أحداثها و نستطيع التنبؤ  بما يألو إليه الوضع، في معظم الأحيان . بيد أنه في القصة القصيرة جدا فغالبا ما يغيب هذا الاحتمال ، و تضيع كل الاحتمالات الممكنة أمام مفاجأة القفلة . و أحلى و أجمل ما في القصة تلك المفاجأة غير المنتظرة ..و كأنّ كلّ ما قيل قيلها كان توهيماً و مغالطة و هذا يتجلى في نص : كاتب تجريبي إذ جاءت القفلة معبرة عن رغبة و مفاجأة(شعر بميل مفاجئ إلى إنشطاين ورغبة في الكتابة عن النسبية) و كذلك الأمر في نص فسيولوجيا ...
6) القفلة جملة في صدر النص. و هذا يحدث كثيرا و نجد في هذه المجموعة نصوصا من هذا القبيل ، تكون فيها القفلة عبارة عن جملة في البدية ، فتأتي القفلة بشكل مطابق أو جزئي لتكرر الجملة كما هو الشأن في نص( الأخ الأكبر) : جاء في صدر النص ( في جزيرة نائية..نائية جداً و مغمورة بالنسيان ) نفس هذا الكلام يتكرر في القفلة : (كان خبراء البانتجون يعدون لتجربة نووية في جزيرة نائية..نائية جداً و مغمورة بالنسيان )
و كذلك في نص (حقول الممكن) و رد في صدر النص : (و أنا خارج من داري الآن ، يمكن أن أصادف: ) و في القفلة تتكرر العبارة:( و أنا خرج من داري الآن ، يمكن أن يصادفني أحد، وضعني ، قبل أن يخرج ضمن احتمالاته الأسوء.) و كذلك في نص ( لا نهاية ) ففي جملة الصدر ( و بعد فترة كان الأول قد التهم ساندويتش ..) و في القفلة يكون الأول قد التهم السندوتش هكذا إلى ما لا نهاية..) و قد تتكرر القفلة ذاتها للتأكيد دون جملة سابقة في الصدر مثلما هو في نص(رهــاب):( أبعدوا اليوتوب..أبـعدوا اليوتوب)
7) القفلـــة المجازية الاستعارية ، و هي من أجمل أنواع القفل . لأنها جامعة لعنصر المفاجأة و فنية الأداء ، و بعد الدلالة ، و ككل جميل متميز فهي نادرة كالتي نجدها في نص( هذا المساء): ( تفطن أنذاك إلى أن بي جلطة في الروح .. و تطلق على ما تبقىمني رصاصة الرحمة .. ! )
8) القفلة النتيجة و الاستنتاج : و هي قفلة من ترسبات القصة القصيرة الكلاسيكية التي كانت تحفل بالنتيجة و الحل بعد عقدة صعبة ترهق القاص و الأبطال و المتلقي جميعاً و يصبح الكل يتطلع إلى الحل الناجع ، و كثيرا ما تبقى هذه الهواجس مسيطرة على القاص حتى إذا ما جاء إلى القصة القصيرة جدا عمد عن غير قصد إلى قفلة مريحة تكون نتيجة كل الكلام السابق. و هذا ما نجده في قصة التوحيدي مثلا (انتبهنا إلى أننا غرباء عن بعضنا ..و كل ما نصنعه أننا نداري الغربة بالصخب.) و يتكرر ذلك في نص ( ربما)
9) القفلة الإخبارية : و فيها يعمد القاص إلى أسلوب الإخبار.و هي رغم إضاءتها لما سبقها من تعتيم الرمز و التكثيف.. تسقط دائما في التقريرية و المباشرة الشيء الذي ينعكس على النص و قد وردت في المجموعة في نص لا نهاية ، و ذلك في قول السارد: (هكذا إلى ما لا نهاية) كما وردت في نص الفنان ، في قول السارد:( داهمته الشيخوخة دفعة واحدة .. و أزفت ساعة الرحيل) و جاءت أيضاً في نص ربما، في قول السارد( هذا ما استنتجته على الأقل من نظراته التي تتوعدني بالجحيم )
       من خلال هذا التّنوع في القُفلة :من التشبيه و التّشظي ، و الرّمزية و المحاكاة و المفاجأة و جملة الصدر،و المجاز و الاستعارة ، و النتيجة و الاستنتاج و الإخبار .. في هذا التشكل الفني تتحدد معالم الق ق ج عند القاص حسن البقالي،الذي هو مهموم دائماً بالبحث عن الجديد ، في إطار من التّجريب الواعي،الذي حنّكته و دعمته ممارسات سابقة في إطار القصة القصيرة .

د مسلك ميمون

النص الموازي في مجموعة '' وثابة كالبراغيث " لجمال الدين الخضري


النص الموازي في مجموعة
'' وثابة كالبراغيث ''[1] لجمال الدين الخضري


د مسلك ميمون
 استهـــلال:

    العنوان أو النص الموازي ، في الكتابة عامة ، و فيما يخص المصنفات و الأبحاث و الدراسات و الأعمال الإبداعية  قديم جداً . و لكن العناية به دراسة ،و بحثا، باعتباره العتبة الأولى للنص، و أحد موازياته «  Paratextes  « و علامة لسانية سيميولوجية...لم يكن إلا مع النقد الحديث،و بخاصة مع ظهور الشكلانية،و البنيوية و السيميوطيقا، و علم السّرد. و قد بلغ الاحتفاء به أن ُخصص له علم خاص «علـم العناوين» أو «  التيترولوجيا »  »  Titrologie «  و من أهم أقطاب هذا العلم  ليوهويك LEO HOEK  وهنري متران H.METTERAND ولوسيان ﮔولدمان L.GOLDMANN  وشارل ﮔريفــــل CH.GRIVEL وروجر روفر ROGER ROFER و الناقد الفرنسي جيرار جينيت G.) Génette ) وبخاصة في كتابيه الهامين:(أطراس ( Palimpsestes و » عتبات » هذا الأخير الذي درس فيه  «المُتعاليات النصية» و التي قسّمها إلى خمسة أقسام:معمارية النص،و المُناصَّة (العَنْوَنَة)، والتناصّ، والميتانص، والتعلق النّصي . و هي في تداخل و تقاطع . و مع ذلك،  يحدث  ألا يكون العنوان عتبة هامة ،و لا بابا للنص،في بعض الإنتاج الإبداعي ، لما تحمله الدلالات، و التلميحات، و الإشارات الواردة في المتن ، و التي لا يمكن ـ حسبَ المـــــبدع ــ أن ينتظمها عنوان واحد، جامع مانع .. فيكون العنوان مُعمقا لتلك الدلالات من الناحية التأويلية دون الإفصاح عنها، أو تأطيرها. و من تمّ فهو لا ُيقرأ قراءة لغويـــة معجمية  و إن كان هذا وارد ، و لكن لا بدّ من قراءة أخرى، تتضـح معالمها من خلال قراءة المتن قراءة استنباطيــــة تأويلية . و العنوان أو النص الموازي ،إما أن يأتي مفردا في كلمة، قد يكون اسما أو فعلا ،أو يأتي مركبا في جملة . فإن كان اسما قد يكون معرفا ، و قــد يكون نكرة.و في كل حالة، حديث مستفيض.. ما أغرى الدارسين  بالبحث في هذا المجال .
و لعل الباحث المغربي، كان له قصب السبق في العالم العربي في تناول هذا الموضوع ،الذي ظل حكراً على الدراسات الغربية و نذكر من ذلك : كتابات سعيد يقطن ، حميد الحمداني، محمد مفتاح،شعيب حليفي، جميل حمداوي، جمال بوطيب ،عبد الفتاح الحجمري ...

و العنوان  كنص مواز ،عون للناقد و المتلقي معاً، في فهم و استكشاف  و سبر أغوار النص يقول د محمد مفتاح إن العنوان » يَمدّنا بزادٍ  ثمين لتفكيك النّص ودراسته »[2]  هذا ما جعـــل النقد الحديث يولي اهتمــامــا لعتبات النص و منها العنوان ، هذا الاهتمام المتزايد الذي يعد في نسق »  ضمن سياق نظري وتحليلي عام يعتني بإبراز ما للعتبات من وظيفة في فهـم خصوصية النص، وتحديد جانب أساسي من مقاصــده الدلالـية، و هـــو اهتمام أضحى في الوقت الراهن مصــدراً لصياغــة أسئلة دقيقــة تعيــد الاعتبار لهذه المحافل النصية المتنوعة الأنساق وقوفا عنـــــد ما يميزها وُيعيّنُ طرائق اشتغالها؟ » [3]

بعد هذا الاستهلال ماذا عن مقاربة النص الموازي في مجموعة ( وثابة كالبراغيث ) للقاص جمال الدين الخضري ؟
لقد نشر  القاص جمال الدين الخضري مجموعتين قصصيتين ، من جنس الق ق ج ، الأولى :'' فقاقيع '' سنة 2010 و تضم ثمانية و ثمانين نصا قصصيا قصيرا جدا. و في السنة الموالية 2011 نشر مجموعته الثانية '' وثابـــــة كالبراغيث '' و تضم سبعا و ثمانين نصا .من الحجم المتوسط في 105 صفحة.
 اختلفت عناوين النصوص،منها:  ثمانية و أربعون مركبا، و تســــع و ثلاثون مفردا، و كلها اسمية ، و أغلبها مأخوذ بتمامه من نصــــــه ، و البعض القليل أخذ جزئيا ،و الأقل القليل لا ذكر له في النص و كــــــأن العنوان جاء استقراء لفحواه ، أو تلميحا بدون تصريح . عملا بمدى ارتباط الجزء بالكل .
 فجرار جِنيت ( (G. Génette يعتبر العنوان :»  خطـــابا أساسيـــا، ومساعدا، مسخرا لخدمة شيء آخر يثبت وجوده الحقيقي،وهو النص»[4] الذي هو توطئة، و عتبة من عتباته ، و لكن و كما هو معروف ، عتبة البيت، لا تعني البيت بتفاصيله و محتوياته، فالمراد به، أن يكون إطاراّ،و وعاء في غير كشف أو ُمكاشفة، أو مباشرة أو  تقرير.....


و لكن في مجموعة جمال الدين الخضري ، هناك احتفاء بالعنوان في صورته الاسمية . و لنبدأ بعنوان المجموعة ( وثابــــة كالبراغيـــث ) ؟
وثابة : صيغة مبالغة  من الثلاثي : وثب ، تفيد التكثير صفة لمحذوف تقديره هي التي تشبه في كثرة وثبها،البراغيث ، و هذه الأخيرة  لا تملك  أجنحة إذ تتحرك بشكل قفزات بفضل زوجين من الأرجل الخلفية الطويلة  لأنّ للبرغوث ثلاثة أزواج من الأرجل تنتهي بزوج من المخالب في كل رجل. و من باب المفارقة أنّ هذه المجموعة ،على عكس المجموعة الأولــى (فقاقيع ) لم يأت العنوان من نص من نصوصها . و عملية مقاربة العنوان الأساس للنصوص ، لا شك تكشف عن رغبة القاص في اتخاذ هذا العنوان كعنوان رئيسي.و بذلك ، و وفق صيغتي المبالغة و التشبيه...يفتح القاص المجال واسعا،نحو تساؤلات شتى،  حول المشبه المحذوف صاحب الوثبات البرغوثية .

أما عناوين النصوص، فتختلف في بنيتها التركيبية ، و وظيفتها ، و صيغتها  و عدد كلماتها ..

و أعتقد أن الأهم ليس تحديد عدد كلمات العنوان و حصرها . و لكن مدى صلاحيتها ، و خدمتها للنّص. فجلّ العناوين غير المناسبة في الأعمال الإبداعية عموماً ، إنّما هي كذلك ،لسوء اختيارها ،أو ارتباك صياغتها ، و بنائها....و لكن كلما كان العنوان قصيراً، و هادفاً ، و موحياً ، و مؤثراً و محفزاً، على القراءة، و قابلا للتّأويل و الاستنباط .. كان ذلك أحســــن و أجمل. علما أن العنونة هادفة و وظيفية كما هي في هذه المجموعة : إيديولوجية، و أيقونية ، و موضوعاتية ، و تأثيرية، وإيحائية، و اتساقية ، وتأويلية ، ودلالية ، و إغرائية، ولسانية، وسيميائية.و فوق هذا و ذاك تساعد على التسمية، و التّعيين،

  لذلك اختلفت صيغها و تعددت في المجموعة،فمنها:التراثية، و الزمنية، و الحالية ،و الواقعية ، و الفضائية/المكانية ،و الرمزية ، و المجازية ، و العجائبية ، و الشاعرية ، و الأسطورية .. و في ذلك أهمية العنوان يقول د يوسف حطيني في كتابه ( الق ق ج بين النظرية و التطبيق ) :  (  عنوان القصة يمكن أن يقوم بدور كبير جدا في فهم دلالاتها , ومن الطبيعي أن يزداد العنوان أهمية حين تكون مساحة النص أصغر ..وقلما ينجح الكاتب في إطلاق عنوان مثير على قصته ,فقد يَطلق عنوانا لا علاقة له بالقصة , وقد يطلق عنوانا يكشف نهاية القصة , وقد يترك قصته دون عنوان) [5] ص46

ولا غروة في ذلك ،  فهناك من لا يضع عناوين لقصصه القصيرة جداً ،و يفضل وضع  ترقيم متوال  لنصوصه في المجموعة،  أو يعوض العنوان بنقط (............).
 و يريد من ذلك أن يجتهد القارئ في استنتاج العنوان بنفسه . كمتعة إدراكية ، و نتيجة قرائية للنص .و مشاركة في الكتابة .
و إن كان هناك من يخالف هذا الاختيار، كقول الأستاذ محمد يوب في مقالة تحت عنوان: العنوان في الق ق ج يقول (..أو يكون العنوان أرقاما أو قصصا مرقمة لكن بنفس العنوان فمضمون القصص يتيه وسط هذه الأرقام وتختلط الأبعاد والرؤى الفكرية التي تتضمنها هذه القصص،أو أن تكون القصة بدون عنوان فهذا غير مستساغ لأن كل إبداع هو فلذة من فلذات كبد صاحبه لا يتعرف عليه إلا من خلال العنوان ، وقصة بدون عنوان تتيه وسط زحمة الأعمال المتراكمة كل يوم. فلا يمكن للمتصفح أن يلج عوالم نص خديج ولا أن يستشف معنــــاه ويكتشف مضامنه و مبتغاه دونه..)
و حرصا على ذلك لم يأت القاص بأي نص بدون عنوان، بل إننا نلاحظ أن آخر نص كان عنونه، ليس اسما، و لا فعلا بل حرفا من أخوات إنّ يفيد الترجي و هو :( لعلّ )
و حرصا مرة أخرى، على أن يكون العنوان هادفا، و متفاعلا مع النص ، و محققا وظيفته الفنية ، اعتمد القاص  تشكيلة من الأنماط ، ضمانا للتنوع و الاختلاف ،نجملها في التالي :

1 ) العناوين المأخوذة من نصوصها :

و تشكل الأغلبية في المجموعة ، و كأني بالقاص يهتم أساسا بربـــط العنوان بنصه أو العكس . و هي مع ذلك مسألة رائجة في القصة القصيرة بل تعتبر من كلاسيكياتها في هذا المجال .ففي المجموعة مثلا : ( مِنفاخ العلوم ) كعنوان ، نجده يختم النص في هذه العبارة :( و أكثر ما يُكتب مُستقى من مِنفاخ العلوم ) و كذلك (الباطني) كعنوان، نجده يختم السطر الأول من النص في العبارة التالية :(عجيب أمر زميلي الباطني ) ... و هكذا دواليك في عدة نصوص من المجموعة .
و العنوان حين يصبح جملة من النص، يقيم الترابط العضوي و المعنوي و الموضوعي ، و هذا جيد. و إن كان البعض في  نطاق السميولوجيـــا يجد في ذلك  نوعا من التضييق على  تخييل القارئ و الحد من أن يفكر بعيداً، أو يؤول تأويلا شخصياً... لهذا كان تعامل  القاص  جمال الديــــن الخضري مع العنوان، يتسم بالحيطة و الحذر،لأنّه مجال قراءة و تأويل ، و لا يكون دائماً انعكاساً آلياً ً للمعنى .

2 ) العناوين المستوحاة من نصوصها .

و هي قليلة على عكس الصنف الأول،و رغم ذلك تبدو أكثر فنية و إيحاء .. تتيح للقارئ فسحة القراءة التأويلية و الاستنباطية ، كما تحمله على بث العلاقات، و إيصال حبال التواصل،و التــوافق، بين النص، و النص  الموازي/العنوان . و نجد ذلك مثلا في ( موسم الأرانب ) ص6 إذ لا نجد صيغة العنوان في المتن كما هو في الصنف الأول،  و لكن نشعر انه مستوحى من العبارة التالية [ لكثرة ما ينط فيه من أرانب ...أقسم ألا يلج البحر أبدا خلال هذا الفصل من كل سنة ]
إذاً،موسم،يقابل فصل،والأرانب تقابل الأرانب.و كذلك عنـوان  ( احتفال) ص48 لا نجد لها ذكراً في النص،و لكن نشعر مدى اقتباسها من العبارة التالية :[ فقط لأن فرحتهم العيدية لن تكتمل إلا على أنغام قيثارة ... ]

3) العنــوان كلمــة  و هو على نوعين كلمة نكرة و هي الأكثر، و كلمة  معرفة و هي الأقل . فالنكرة و كما يروي ابن هشام : ("عبارة عمّا شاع في جنس موجود أو مقدر " فاللفظ عندما يكون عاماً تندرج تحته عناصر كثيرة ، لا توجد لأي منها صفات تميزها عن الآخرين.
أما المعرف  فقد جاء  في المعجم أنَّ عَرَفَ، يَعْرِفُ مَعْرِفة وعِرْفاناً فهو عَارِفٌ، وعرفه أي عَلمه وأدركه. ويقودنا هذا المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي لـ (المعرفة) إذ يُراد بها "الاسم الذي وُضِعَ ليستعمل في مُعَيَّن" . وذلك على النحو الذي يتجلَّى في المعارف الست التي هي: الضمير، العلم، اسم الإشارة، الاسم الموصول، الاسم المُحلى بـ (أل)، والمضاف إلى معرفة.
فمن العناوين التي جاءت نكرة و فسحت مجال الخيال و التأويل واسعاً و بلا ضفاف أو تحديد ..
[ ذوبان ، عبث ،زغرودة ، رسم ، انتحار، نعيق، رؤيا، عيون، طنين ، خصلة ،احتفاء ، جاذبية ، شواء، احتفال، مطيتان، ارتحال ، مسوخ، تراجيكوميديا، بعاد ، خلوة ، هاتف، اكتشاف، محرقة شراشف، وشاية عزاء، سطو، عبودية ، ميراث،  مضاعفة . ]
بينما جاءت العناوين الأخرى المفردة،اسما معرفاً محدداً و هي أقل نسبيا ،لا تتعدى ستة عناوين،و هي: [ الباطني،النؤوم، المطارد ، المنتظرون، الوسط، الأصلع ] .

5 ) العنـــاوين المركبــــة ، و بدورها تتنوع في صيغتها و مصدرها ،
إلى أنواع مختلفة ، تأصيلا  لرغبة القاص في الاختلاف و التميز :

أ ــ تراثية ، كـ ( منفاخ العلوم ) كنايــة عن ( مفتاح العلوم)  للسكاكي و ( الذيل و التكملة ) إشارة إلى الذيل و التكملة لكتابي الموصل و الصلة لأبي عبد الله محمد بن محمد بن سعيد ابن عبد الملك
ب ــ الزمانية ، كـ ( موسم الأرانب ) و (الرقص في زمن ذي مسغبة )
ج ــ الفضائية/المكانية ، كــ ( جحر الضب ) و ( ساحة الحمَام )
د ــ الواقعية،كـ (الخاتن المختال)،و(الوعد الصادق)، و(القنينة السليمة )
     و(أكياس في مهب الريح )، و ( بائع الباذنجان ) و ( الحية الميتة )
     و(القطط في بلادي) و( آخر المنقرضين) ...
هـ ــ الرمزية،كـ (العاشق و القطة)،و( المدينة الباردة) و(انبعاث وحش )
      و ( عصا و مأرب ) و ( جريرة و توأمان ) و ( همس و رنات )
و ــ المجازية،كـ (سيدة القهقرة)،و(الصفيحة الجانية) و(ما خط الماء ) ،
     و ( معاذير آفلة ) و ( عناكب العجوز ) و ( مشهد من غير سكر ) و
     (نكاية بحكاية ما) و(عصا الترحال)و(سحر أسود)و( بغية مطمورة )
ز ــ العجائبية ، كــ ( الرجل المنجل ) و (صائد الغُلالات ) ..
ح ــ شاعرية، كــ ( الرقص في زمن ذي مسغبة ). ( نعي في الإسفلت )
ط ــ الأسطورية ، كــ ( الضرغام و الغولة ) .
ك ــ الحرفية ، كــ ( لعلّ ) حرف مشبه بالفعل معناه الترجي غالبا .

    هكذا العنوان في العمل الإبداعي ــ و كما أسلفت ــ يختلف عن كـــــل العناوين و الأسماء.لأنه ليس تسمية فقط . بل هو عمل من عوامل البناء الإبداعي ، لأنه يساعد،و يكمل و يحيل، و يدعو للتأمل ...و هذه وظائف و ليست وظيفة. و من هنا كانت خطورة العنوان، و دوره الذي قد يغفله الكثيرون . إذ ينبغي أن يوضع بقدر كبير من الذكاء و النباهة... و أن يكون عاملا مساعداً يجعل الحدث نقطة البدء، ليجنح بعيدًا بخيال القارئ أبعـد من تخوم النص . و هذا ما نلمسه بوضوح في عناوين مجموعة '' وثابة كالبراغيث '' وفي ذلك قال د محمد مفتاح»  معرفةٌ لضبط انسجام النص وفهم ما غمض منه، إذ هو المحور الذي يتوالد و يتنامى ويعيد إنتاج نفسه، وهو الذي يحدد هوية( الرواية) فهو إن صحت المشابهة- بمثابة الرأس للجسد، والأساس الذي تبنى عليه ،غير أنه إما أن يكون طويلا فيساعد على توقع المضمون الذي يتلوه، وإما أن يكون قصيرا. وحينئذ فإنه لابد من قرائن فوق لغوية توحي بما يتبعه .  » [6]
فليس كل المبدعين في القصة ...قادرين على اختيار العنوان المناسب . مسألة الاختيار هي ــ في حد ذاتها ــ فن، و ذوق، و دراية ، و وعي، و إدراك....إن العنوان الذي يشي ، و ينم ،و يفضح ،و يكشف المحتوى أو يلخصه ...يهدم البناء الفني و يأتي عليه . إنّ عناوين الأعمال الفنية لا ينطبق عليها أبداً المثل السائر" الرسالة تقرأ من عنوانها " كما لا تنطبق عليها دلالات أسماء الأشخاص و الأماكن . و لا يمكن أن نقارن ذلك بما نتخذه من عناوين في إبداعاتنا .مسألة اختيار العنوان صعبة.ولا يستسهلها إلا غير واع بها و بأهميتها.. فيرمي العناوين كما اتفق . لا شيء يؤرق المبدع الحق ،كاختيار العنوان المناسب.و إن كان أحياناً يأتي كاللمحة الإبداعية..وليس كما يرى البعض " في نهاية الكتابة "،بل أحياناً يكون هو الباعث على الكتابة، وفي جميع الحالات، أرى أنّ العنوان لا ينفصل عن النص، و لا يلخصه ، ولا يكشفه..و لكن ــ بشفافية تلميحية ــ يغشاه،و يمازجه، و يكسبه بعداً تأمليا وً دلاليا ..يحمل القارئ ــ قبل و بعد القراءةــ أن يقف عنده، متأملا مراميه و فضاءاته..التي لم يحددها المحتوى،ولا يمكن أن يحددها كلها، لأن المحتوى " حدث " ليس إلا ،مرهون بالزمان و المكان.بينما العنوان تكثيف لغوي، يخترق الزمان و المكان .
      و لهذا لا غروة أن مجموعة '' وثابة كالبراغيث'' جاءت مضمومة من الإبداع المتنوع،  انطلاقا من العنوان إلى آخر كلمة في النص ، و السر في ذلك ، و كما يرى د جميل حمداوي في غلاف المجموعة ، أنّ القاص »جمال الدين الخضري قد تملك فعلا آليات القصة القصيرة جداً بناء و تشكيلا و قضية ...    »












 ــ '' وثابة  كالبراغيث ''  جمال الدين الخضري ، مطبعة : شركة مطابع الأنوار المغاربية ــ وجدة[1]


 ــ محمد مفتاح :دينامية النص، المركز الثقفي العربي، بيروت ،ط، 1990 ، ص72[2]

[3]  ــ  عبد الفتاح الحجمري: عتبات النص: البنية والدلالة، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، ط 1 ، 1996، ص: 7

 ــ  Gérard Genette. Seuils. Ed. Du seuil. Paris 1987. 16 ــ [4]

[5]  ــ  د يوسف حطيني ،دار الأوائل للنشر و التوزيع،  الطبعة الأولى/ 2004

[6]  ــ  محمد مفتاح: دينامية النص،المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء، ط ،1987،ص:60.






















مَسألةُ التّجريب في القصّة القصيرة جداً



لا أقرأ فيما أقرأ لبعض المبدعين الشباب ،إلا وألاحظ نزعتهم الغريبة للتّسابق نحو التّجريب. بل أحياناً كثيرة ،أشعر أنّ الإبداع عند البعض هو ممارسة لعبة التّجريب في مجال القصّة القصيرة جداً. بل أظنهم بعدُ لم يقتنعوا بطريقة ،أو أسلوب خاص .

لا أريد أن ُيفهم من كلامي أنّني ضدّ مبدإ و فلسفة الـتّجريب؛ كأسلوب و نهج و مبتغى . و لكن ضدّ إجهاد المبدع نفسَه في عمل ، قد يكون بعيداً و لم يحن وقته بعد ..لأنّ التّجريبية لا تكون بدون دافع أو حافز بل هي دائماً ، من أجل غاية لها أسبابها و دواعيها ، و أهدافها و مراميها . و قبل هذا وذاك فالعملية برمّتها تأتي نتيجة تجربة سابقة استنفدت طاقة المبدع في اتجاه ما . و هذا ما لم يعه متطفلو الأدب . و بخاصة من عمدوا إلى النشر فاغتروا بذلك .
بمعنى : على المبدع أن يمارس ما يؤمن به ، و ما يحقق أهدافه الفنية. و من خلال الممارسة، ستنكشف العيوب و النقائص ، و تتدخل وجهات النظر المختلفة النقدية، إمّا مباركة أو معارضة .. و ستأتي مراحل مشبعة بأحداث مختلفة، خلافاً للمراحل السّابقة ، و سيقرأ المبدع و ينفتح إدراكه ،و فهمه، على إبداعات شتّى .... فكلّ ذلك يحمله على المراجعة الذاتية . التي تحمله على التماس التّجريب ...
 و لهذا حين نجالس كبار القصّاصين، أو الشّعراء، أو الرّوائيين ... يحدثوننا على مراحل تطور الكتابة عندهم . نشعر أنّ بين مرحلة و أخرى ،انصرمت مسافة زمانية لا يستهان  بها . وتركت ركاماً إنتاجيا شاهداً على ذلك، و أنّ الانتقال من مرحلة تجريبية إلى أخرى، كانت له أسبابه و دواعيه الموضوعية و الذّاتية .  ففي أغلب ما أقرأ من كتابة حداثية، لبعض كتاب القصّة القصيرة جداً العربية ،لا ألمس إلا التنطّع، و الكتابة الغرائبية ، واللّهاث بحثاً عن الجديد من خلال اندفاع تجريبي، يخلو من أي ضبط و اتّزان . ذاك الجديد الذي لا يستند إلى دوافع موضوعية ، بل إلى دوافع ذاتية صرفة هي : ممارسة التّجريب من أجل التّجريب.

     و أعتقد أنّ هذا ليس هدفاً نبيلا . كما أنّ التّجديد من أجل التّجديد رأي فاسد . الشيء الذي أسقط نصوصاً في السّديمية المطلقة . لأنّ المبدع لا يراعي قارئه المفترض . بل لا أرى له قارئاً مفترضاً،و لا أظنه ـ هو نفسه ـ يفكر في ذلك .

إذاً  يبقى السّؤال المحرج و الأساس : لمن نكتـب ؟

إذا كانت كتابتنا لا تفهم . بمعنى أنّ رسالتنا لا تصل . فهل نكتب لأنفسنا ؟
أم لأجيال ستأتي بعدنا ؟
أعتقد أن ليس هناك من كاتب في الدنيا يؤمن بالكتابة و أهميتها السّوسيوثقافية ، يكتب لنفسه فقط . حتّى ما نسميه باليوميات ، و هي أمور شخصية ، و حميمية أحياناً .... سرعان ما تنشر على الناس ، و لو بعد حين .

الكتابة ـ إذاً ـ عملية إيصال و تواصل . و لكن هناك من لا قدرة له على ذلك . فيعمد إلى سلك الدّروب المظلمة . ليشعر َبدفء الإبداع الكاذب . أمام متلق لا يستطيع فكّ ألغازه و أحاجيه. و لا تأويل طلاسمه و معمياته . و في ذاك إحساس بالاطمئنان الكاذب ، ينتاب  الكاتب المنغلق الذات ،إذ يحس بنوع من التّعويض النّفسي لفشله الصّادم .

أذكر أنّني في أحد المواقع التي كنت أشرف عليها . قرأت هذا النّص في منتدى القصة القصيرة جداً:
((الباب مغلق . و قفت أمامه أعدّ نجوم السّماء . البرق فاجأني . الضّوء كان يسري في ذاتي . ُفتح البابُ خرجت امرأة ورجل . دخلت لأرسم صفحة جديدة . لاحظت أنّ البرق كان تلاق لخطوط الكهرباء ، وتنبهت أنّ السّماء كانت صافية، و لكنّني نسيت كلّ شيء حين دخلت .))

حاول أن تفهم ، و إذا فهمت فأفهمني ....


         والذي يحدث في الغالب، حين لا تُفهمُ الكتابة . يَسمُ الكاتب المتلقي بقصر الفهم، و ضحالة الثّقافة . و هو مسوغ سهل جاهز، يأتي به بعض الكتاب الذين يملكون حساسية ضد النّقد . . و الصّواب عندي . أنّ الكاتب، إذا تكرّرت الملاحظة نفسها حول إنتاجه ، عليه أن يراجع نفسه، و أدواته و كتابته. و لا يتعنّت تعنّت الغرور و الاغترار ، و يركب رأسه في عناد و إصرار ...
فكم من كاتب ، جنت عليه عملية التّجريب القلقة المتسرعة ،وغير المتأنية . و إنّه ليحزنني أن أقرأ للدكتور زياد حبكة أستاذ الأدب الحديث في كلية الآداب في جامعة حلب قوله في ختام ملتقى القصة القصيرة جداً( القصّة القصيرة جداً مجال مفتوح للكسر والتّجديد فلا داعي للحبكات التقليديّة، أو تحميل القصص الهمّ الفكري)

هذا ما جاءتنا به عملية التّجريب : ( الكسر و التّجديد ) و التّجديد في حكمها هو الكسر و تقويض ما هو كائن، و الدّليل على ذلك قول الأستاذ زياد ( فلا داعي للحبكات التقليدية أو تحميل القصص الهمّ الفكريّ) إذا اتفقنا أنّ الحبكات التّقليدية لم تعد كما كانت في السّابق وأنّ حجم القصّة القصيرة لم يعد يتّسع لذلك .. فكيف نفهم قوله ( ... أو تحميل القصص الهمّ الفكريّ ) أليس هذا إفراغ النّص من محتواه، و جعله هرطقة كلامية لفظية، تعني أيّ شيء و لا تعني شيئاً محدداً ، و لو على أساس التّأويل و الاستنتاج ...؟؟؟

أعتقد أنّ عملية التّجريب ضرورية حين يمضي المبدع ردحاً من الزّمان في مرحلة تجريبية أولى ، فيحسّ أنّ المرحلة الموالية تلحّ عليه، و الظّروف ملائمة ، و أنّ الذائقة اختلفت، و تباينت، و أنّ بقاءه في العتبة الأولى سيجعله يذوب ويغيب و يندثر ...
 أمّا وكونه لم يستوعب فنّه و قواعده الأساسية . و لم يع ضرورة التّواصل في العمل الإٌبداعي . و لم يستفد من معطيات المرحلة الأولى، فيميز جميلها من سيئها ... فيبادر، و يشرئب ،و يتطلع إلى التّجريب و التّجديد .... فهو عندي إمّعة يخوض مع الخائضين . لم يستطع أن يكتب عملا فنياً فكتب ( لخبطة) لفظية سمّاها قصّة قصيرة جداً . و شتّان ما بين النّص القصصي ،و الكلام الهذياني ، من قبيل ما يتلفظ به سكير أو محموم ، حتّى لا أقول مجنونا . لأنّه إمّعة خالصة ، كلّما نعق حداثي، تغريبيّ، تخريبيّ .. بخزعبلة  في التّجريب و الحداثة القسرية ... استجاب له خاضعاً تابعاً دون أن يراعي قدراته الفنّية، ولا أن يدرس نعيق النّاعق و يستوعبه  . و لا أن يتأمّل فاحصاً قارئه الافتراضيّ .
و لهذا ظهرت قصص كثيرة، و مجموعات وفيرة ، ليس فيها إلا : الطّلاسم ، و الكلام المتضارب ، و المتداخل ، و قوة الحذف، و نقط الحذف و البياض، و الإضمار بدون مسوغ فنّيّ، و لا داع موضوعيّ ....فضاعت متعة القص و المفارقة . و حلاوة السّرد و المفاجأة،  و دهشة القفلة و الخاتمة  ...


د مسلك ميمون